السيد محمد باقر الصدر
128
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
محدودة تبعاً لمحدودية نفس هذه المثل ، لما كانت هذه المثل مثلًا منخفضة ومحدودة قد حوّلت بصورة مصطنعة إلى مطلقات ، وإلّا هي في الحقيقة ليست إلّا تصوّرات جزئية عبر الطريق الطويل الطويل للإنسان ، إلّاأ نّها حوّلت إلى مطلقات بصورة مصطنعة . إذن هذه المحدودية في المثل تنعكس على الأديان التي تفرزها ، فالأديان التي تفرزها هذه المثل أو بالتعبير الأحرى : الأديان التي يفرزها الإنسان من خلال صنع هذه المثل ، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطويرها من تصوّرات إلى مطلقات ، هذه الأديان تكون أدياناً محدودة ضئيلة ، أديان التجزئة ، هذه الأديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد الذي سوف نتكلم عنه حينما نتحدّث عن مثله الأعلى القادر على استيعاب البشرية بأبعادها . هذه الأديان أديان التجزئة ، هذه الآلهة ، الآلهة التي يفرزها الإنسان بين حين وحين هي التي يعبّر عنها القرآن الكريم بقوله : « إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ » « 1 » ، هذا الإله الذي يفرزه الإنسان ، هذا الدين الذي يصنعه الإنسان ، هذا المثل الأعلى الذي هو نتاج بشري ، هذا لا يمكن أن يكون هو الدين القيّم ، لا يمكن أن يكون هو المصعِّد الحقيقي للمسيرة البشرية ؛ لأن المسيرة البشرية لا يمكن أن تخلق إلهها بيدها . المجتمعات والأمم التي تعيش هذا المثل الأعلى المنخفض المستمَد من واقع الحياة ، قلنا بأ نّها تعيش حالة تكرارية ، يعني : أنّ حركة التاريخ تصبح حركة تماثلية وتكرارية ، وهذه الامّة تأخذ بيدها ماضيها إلى الحاضر ، وحاضرها إلى المستقبل . ليس لها مستقبل في الحقيقة وإنّما مستقبلها هو ماضيها .
--> ( 1 ) النجم : 23